محمد جمال الدين القاسمي

213

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الإمام ابن القيّم في خطبة ( زاد المعاد ) : فاللّه سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته صلى اللّه عليه وسلم ، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته . فلاتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة . ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة . وقد أقسم صلى اللّه عليه وسلم « 1 » بأن لا يؤمن أحد حتى يكون هو أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين . وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكّمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره ، ثم يرضى بحكمه ، ولا يجد في نفسه حرجا مما حكم به ، ثم يسلم له تسليما ، وينقاد له انقيادا . وقال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ الأحزاب : 36 ] . فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله . فليس لمؤمن أن يختار شيئا بعد أمره صلى اللّه عليه وسلم . بل إذا أمر فأمره حتم . وإنما الخيرة في قول غيره ، إذا خفي أمره ، وكان ذلك الغير من أهل العلم به وبسنته . فبهذه الشروط يكون قول غيره سائغ الاتّباع ، لا واجب الاتّباع . فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه . بل غايته أنه يسوغ له اتباعه . ولو ترك الأخذ بقول غيره ، لم يكن عاصيا للّه ورسوله . فأين هذا ممن يجب على جميع المكلفين اتباعه ، ويحرم عليهم مخالفته ، ويجب عليهم ترك كل قول لقوله . فلا حكم لأحد معه . ولا قول لأحد معه . كما لا تشريع لأحد معه . وكل حيّ سواه ، فإنما يجب اتباعه على قوله ، إذا أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه . فكان مبلغا محضا ومخبرا ، لا منشئا ومؤسسا . فمن أنشأ أقوالا وأسس قواعد ، بحسب فهمه وتأويله ، لم يجب على الأمة اتباعها ولا التحاكم إليها ، حتى تعرض على ما جاء به . فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة ، قبلت حينئذ . وإن خالفته وجب ردها واطراحها . وإن لم يتبين فيها أحد

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 8 - باب حب الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الإيمان ، حديث 14 ونصه : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال « والذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده » . وفي : الأيمان والنذور ، 3 - باب كيف كانت يمين النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 1736 ونصه : عن عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، هو آخذ بيد عمر بن الخطاب . فقال له عمر : يا رسول الله ! لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا . والذي نفسي بيده ! حتى أكون أحب إليك من نفسك » . فقال له عمر : فإنه الآن ، والله ! لأنت أحب إليّ من نفسي . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « الآن ، يا عمر ! » .